مقدمة الترجمة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله حمدا لمّا، والشكر لله شكرا جمّا، بايَن بين الفهوم والمعتقدات كما خالف بين الصور والهيئات، والصلاة والسلام على النبي الأمي الهادي للنور والسراج المنير حامل راية الحق المبين، ومبطل الباطل المبطلين، وبعد؛

فتجيء ترجمتنا هذه التي بين يديك قارئنا العزيز حصاد فكر، وجنْي جهد، وثمرة عناء ليس لليسير، ووفق ضوابط ومعايير حاكمة ليست بالهينة، ولا بالسهلة المأتى.

وتفصيل هذا الإجمال فيما يأتي:

 

توجيه وإرشاد:

لقد وجّه وحث الأستاذ أحمد خُسْرَوْ - رحمه الله - كاتب المصحف الشريف وتلميذ الأستاذ بديع الزمان، وخليفته الأول؛ على ضرورة ترجمة رسائل النور، ليس إلى لغة واحدة وحسب،وإنما إلى اللغات الحية العديدة، وعلى رأسها لغة القرآن الكريم؛ لينتشر نورها و يعمّ نفعها.

ولم يكن توجيه الأستاذ أحمد خسرو - رحمه الله - توجيها عاريا عن الضابط ولا خلوا من المعيار، وإنما كان توجيها مبصرا ودقيقا.

ومما أشار إليه ضرورة أن ينوء بترجمة الرسائل أتراك يجيدون اللغات المترجم إليها، و يكاتفهم و يؤازرهم في الآن ذاته آخرون ممن لهم كفل من التركية من أبناء تلك اللغات المزمع الترجمة إليها.

ومن ثمّ؛ فقد انبرى لتلكم الترجمة التي نحن بصدد التقديم لها -على ضوء التوجيه السالف ذكره- نفر من بني جلدة رسائل النور، أولئكم الذين جاءت الرسائل بلسانهم، نفر فهموها وتدارسوها وسبروا أغوارها، فتعلموا لغة القرآن وبذلوا النفس والنفيس في سبيل إتقانها، والوقوف على دقائقها وأساليبها، ورحلوا في سبيل ذلك عن ديارهم، ووضعوا عصا التسيار في الأقطار العربية قطرا بعد قطر ليعايشوا أهل العربية ولسانهم، وليقفوا على عاداتهم في لغتهم وأسلوبهم.

وفي الوقت ذاته آزرهم نفر آخرون من العرب الذين تربوا في المدرسة النورية ذاتها وعندهم بلغة تقيم الأود في معرفة اللغة التركية والعثمانية التي كتب بها النص الأصلي للرسائل.

فلسفة عميقة:

ولا يخفى على من طالع رسائل النور وجالت عينه فيها ما تتمتع به من عمق فلسفي، فالإمام سعيد النورسي عندما كتب هذه الرسائل أو أملاها لم يكن يملي أو يكتب بعقل بشري ذي طور عادي، وإنما كان في حالات استعداد خاصة تفوق الأطوار العادية للعقل البشري إن لم يكن أُُلهمها إلهاما، فجاءت الرسائل معول هدم يفت في جدران الفلسفات الغربية المجانبة للعقيدة الفطرية الإسلامية فتًّا، ويهدمها هدمًا، فحملت في طياتها أدلة عقلية وبراهين منطقية تخاطب العقل كما تؤثر في القلب، وتغوص في أعماق النفس البشرية فكرانيتها وماهيتها.

من ثم كانت دقيقة الأسلوب حساسته، عميقة اللغة صعبة مأتاها.

ومن هنا كان تناول هذه الرسائل درسًا أو ترجمة فيه ما فيه من العناء والجهد.

 

ترجمتان:

لقد انفتحت عين قارئ رسائل النور العربي على ترجمتين عربيتين لها.

أولاهما كانت ترجمة حرفية ركيكة، و حسبُ من أخرجوها و قاموا عليها النية الصادقة والإخلاص في العمل؛ و لكنها لم يكتب لها الذيوع و الانتشار، إلا في إطار محدود للغاية.

أمّا الترجمة الثانية منهما فكانت ذات فضل كبير – بما نالته من ذيوع و انتشار- في تعريف القارئ العربي برسائل النور وما فيها من حقائق إيمانية، ولكن هذه الترجمة هي الأخرى جاءت مراعية الأسلوب العربي على حساب المعنى الفعلي للرسائل، كما جاءت مسهبة في غير مواضع الإسهاب، وموجزة في غير مواضع الإيجاز، ولنا أن نقول إنه كثر فيها تدخل المترجم شرحا وتفصيلا وتوضيحا على حساب نقل مراد المؤلف الأصلي كما هو.

وعلى أية حال فهذا أمر شرحه يطول، ولا نرى له موضعا هنا، إلا أن من يطالع تلك الترجمة والنص الأصلي يقف على ما لا يعد ولا يحصى من مثل ما أشرنا إليه.

إلا أن الأمانة والإنصاف وإحقاق الحق يجعلنا نعيد ونكرر أنه كان لتلك الترجمة ما كان من فضل السبق والريادة وتعريف القارئ العربي برسائل النور، وحسبُ أصحابها ومن قاموا عليها إخلاص النية وفضل السبق ونبل المقصد.

 

ترجمتُنا:

لقد راعينا في هذه الترجمة الجديدة طريقة وُسطى بين الترجمتين السالفتين، فابتعدنا وسع الطاقة عن الركاكة اللفظية وحرفية الأسلوب، محاولين مراعاة البلاغة العربية، معتنين بالأسلوب العربي عناية فائقة ولكن ليس على حساب المعنى ودقته، فقد حرصنا كل الحرص على نقل المعنى الأصلي بدقائقه التي أرادها الأستاذ الإمام المجدد بديع الزمان سعيد النورسي، ولعلنا لا نبالغ إن قلنا إننا تحرينا في ترجمتنا هذه معنى المعنى للنص الأصلي مراعين في ذلك كله أساليب العربية ومقتضيات بلاغتها.

 

صعوبات و عقبات:

هذا ولم يكن النص الأصلي ممهدا معبدا ولا سهلا ميسورا؛ وإنما كان على العكس من ذلك تماما لما تميز به من خصوصية ميَّزتْه وبصمة رفعتْه على غيره من النصوص المؤلفة بلغته، و تفصيل ذلك كالتالي:

أولا: موسوعية المؤلف؛ فقد كان الإمام المجدد سعيد النورسي عالما موسوعيا، وقد تعرض من خلال رسائله لشتى العلوم والمعارف القديمة والحديثة، وهذه الموسوعية بالطبع تحتاج إلى جهد كبير من المترجم، وتيقظ دائم؛ لأن لكل علم و لكل فن خصوصيته في التناول ومعرفة الدقائق، مما يفرض على المترجم أن يحاول دائما الارتقاء إلى مستوى المؤلف في موسوعيته، ويقتضي ذلك منه أيضا لغة تستوعب تلك العلوم وترتب وجهتها.

ثانيا: طبيعة النص ذاته:

إن رسائل النور نص حجاجي برهاني من الدرجة الأولى، فهي نص يخاطب العقل ويحاجه ويجادل النفس، وواضح ما لهذه النوعية من النصوص من صعوبة لما تعتمد عليه من منطق استدلالي وبرهاني وتسلل فكري واستنباطي قد يدفع بالقارئ السطحي إلى التيه بين مقدمات المسائل ونتائجها، ويجعل المعنى يفلت منه ولا يستطيع أن يقف على أول الكلام ولا على آخره، وإذا كان هذا حال القارئ فما بالنا بحال المترجم المطلوب منه نقل المعنى مع الحفاظ على دقائق المسائل في مقدماتها ونتائجها.

ثالثا: خصوصية المصطلحات :

لقد كان للأستاذ المجدد بديع الزمان سعيد النورسي مصطلحات خاصة، شأنه في هذا شأن سابقيه من الأئمة المجددين كالإمام أبي حامد الغزالي والإمام فخر الدين الرازي وغيرهما، وقد انتشرت تلك المصطلحات في كل رسائل النور، وكان لهذه المصطلحات ما لها من العمق الذي يحتاج إلى عمق في الترجمة يوازيه، ومع أخذ تلك العقبات والصعوبات بعين الاعتبار والاهتمام جاءت طريقة الوسطية في الترجمة، تلك الطريقة التي اتخذت قاعدة "لا إفراط ولا تفريط ” أساسًا لها، فلا إفراط في اللفظ على حساب المعنى، ولا تفريط في المعنى لحساب الأسلوب.

 

مراجعة و مدارسة:

لقد تشكل للجنة الترجمة لجنة مراجعة على قدر رفيع من الدقة والحساسية لكل لفظ من ألفاظ الرسائل، ولكل تركيب من تراكيبها.

فقد وضعت هذه الترجمة على مائدة التشريح بين يدي أساتذة بلغوا الخمسين أو يزيدون، تربوا منذ عشرات السنين على رسائل النور ففهموها واستوعبوها، وكل منهم آخذ منهم من اللغة العربية بطرف. فقد اجتمعوا من كل حدب وصوب من أرض تركيا يراجعون ويدققون ويرفضون أضعاف ما يقبلون، وصلوا الليل بالنهار وتركوا كل مهم وغال - وهم من هم في كثرة أعمالهم وأشغالهم ومسئولياتهم- في سبيل هذه الغاية، فما من كلمة من كلمات الرسائل إلا ومرت بين أيديهم ووقعت تحت أبصارهم، واتخذوا في ذلك طريقة عجبا، فقد اتخذوا هيئة محكمة أو لجنة إجازة ومنح ترخيص، فجلسوا على كثرة عددهم في ناحية، ولجنة الترجمة في ناحية أخرى وكأنهم متهمون يقفون بين أيديهم، ثم يقرأ المترجمون الترجمة العربية التي قدموها كلمة كلمة وجملة جملة، ثم يترجمون ما كتبوه بالعربية إلى اللغة التركية مباشرة من دون الاستعانة بالنص الأصلي للرسائل، وثم ينظر المراجعون الأتراك إن كان هذا المعنى الذي نقلوه عبر الترجمة المباشرة من العربية إلى التركية موافقا للمعنى الموجود في النص الأصلي بكل دقائقه أولا، فإن كان موافقا قبلوه، وإن لم يكن موافقا ردوه إليهم ليعدلوه ويصححوه، فانظر إلى أي حد بلغ المترجمون من التعب والجهد، وإلي أي مستوى بلغت هذه الترجمة من الدقة والتدقيق، فمن تركية إلى عربية إلى تركية مرة أخرى، وهكذا في كل كلمة وفي كل جملة، نسأل الله أن يجزل الأجر ويقبل العمل.

 

مراجعة لغوية :

وعلى الصعيد الآخر -صعيد اللغة العربية- قد انضمت إلى لجنة المراجعة العامة لجنة متخصصة في اللغة العربية تابعت العمل من أوله إلى آخره، وشاركت في كل اجتماعات المراجعة لتتابع التعديلات الجديدة، وتقوِّم عجمة اللفظ والأسلوب إن بدا ذلك، وتتتبع اللحن والخطأ وتقومهما، وتعيد الصياغة في الثوب العربي مراعية البلاغة العربية، واضعة نصب عينيها نبل الغاية وشرف المقصد وعقبات النص ومواطن الضعف عند السابقين، كما اجتهدوا في توضيح الكلمات التي ربما تستشكل على القارئ العادي في الحواشي السفلية، وكذلك تخريج آيات القرآن الكريم الواردة في النص والأحاديث النبوية والأثر وفق مناهج تحقيق التراث العلمية.

 

قراءة بالصوت:

ثم لم يكتف القائمون على هذه الترجمة بأن تكون نصا مكتوبا فقط، وإنما عهدوا إلى أحد أكابر أهل الفن والنشيد الإسلامي وله باع كبير في فن الإلقاء؛ ليقرأ الكلمات والرسائل كلها قراءة تهتم بمخارج الحروف وتنغيم الأداء والضبط اللغوي والنحوي، وذلك على سمع وبصر لجنة اللغة العربية في أثناء التسجيل الصوتي، هادفين من ذلك إلى أن تكون الرسائل نصا لغويا مسموعا يسهل مطالعته بالاستماع من ناحية، ويسهم في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها من ناحية أخرى.

 

عود على بدء:

إن هذا العمل الضخم نعلن بدأه بالكلمات، ونسأل الله العون في تتمة بقية أجزاء الرسائل إن شاء الله.

هذا وإن كانت قاعدة " لكل شيء إذا ما تم نقصان ” قاعدة مقررة لا ينكرها عاقل، ولا يغفلها غافل؛ فإننا لا ننكر ولن ننكر بشريتنا ونقصنا وزللنا ولكن حسبنا الاجتهاد وصدق النية، وما قصدنا بهذه الترجمة مبارزة ولا مضاهاة ولا مقارنة ولا تمايزا، وإنما حسبنا أن الميدان ميدان جهاد، وكل فيه مجتهد وسع طاقته.

فسددوا وقاربوا.

اللهم فاجبر الكسر، وأقل العثرة، وارفع الزلل، واقبل العمل .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

 

لجنة الترجمة والبحوث العلمية

 

المقدمة
الإمام بديع الزمان سعيد النورسي
مدرسه الزهراء
سنوات الحرب
سعيد الجديد
سياحة الوداع
تأليف رسائل النور
وظيفته التجديدية
رسائل النور تفسير معنوي للقرآن
منهج رسائل النور
انتشار دعوة رسائل النور
أحمد خسرو آلتين باشاق
الأستاذ الثاني
خدمة الحفاظ على الكتابة بالحروف القرآنية
المصحف التوافقي
محاربة البدع
دعوة رسائل النور بعد رحيل الإمام
مقدمة الترجمة