تأليف رسائل النور

لقد عبر الإمام بديع الزمان عن الفتنة الشديدة التي ابتلي بها أهل الإيمان بعدما سافر إلى أنقرة بدعوة من الحكومة بعد حرب التحرير بقوله "سافرت إلى أنقرة في سنة
(1338هـ/1922م)، وشاهدت أن فكرة الزندقة الرهيبة تسعى إلى التسلل بمكر ودهاء -بغية الإفساد والتسميم- إلى الأفكار القوية لأهل الإيمان الذين يفرحون لغلبة جيش الإسلام على اليونان، فتأوهت وقلت: هذه الأفعى ستتعرض لأركان الإيمان ” .

ومع الأسف الشديد فعلاً وقع ما كان يَخشى وقوعَه الإمامُ بديع الزمان، وقد تعرضت الأفعى لأركان الإيمان.

وبدأ الإمام بتأليف رسائل النور في ناحية بارلا التابعة لمدينة إسبارطة، التي نفته إليها الحكومة في ذلك العهد لأوهامها وشبهها، فقدم بمؤلفاته وآثاره التي كل منها وصفات قرآنية التشخيصَ والعلاج لأمراض هذا العصر المعنوية، ولجميع طبقات البشر وأهل الإيمان، فأصبح كل من رسائل النور ومنهج دعوة الإمام اللذان قُدِّمَا للبشرية والمسلمين بمنزلة ترياق وأدوية معنوية لملايين من الناس، فجعلا المخططات السرية الخبيثة عقيمة لا أثر لها.

فالإمام بديع الزمان كان يعبِّر عن مدى تأثير رسائل النور والغاية التي تستهدفها بقوله: "إن رسائل النور لا ترمم تخريبات جزئية ومنزلا صغيرًا، بل ترمم تخريبات كلية، وقلعة عظيمة محيطة تحيط بالإسلام، أحجارها ولبناتها ضخمة ضخامة الجبال، وهي لا تُصلِح قلبًا وضميرًا واحدًا معيّنًا، بل تسعى بإعجاز القرآن لمعالجة القلب الاجتماعي وأفكار المجتمع التي طُعنت بطعنات قاتلة بآلات مُفسِدة حُشِدت وجُمِعت منذ ألف سنة، ولا سيما الضمير العمومي الذي طفق يفسُد نتيجة الضعف الذي أصاب الأسس والتيارات والشعائر الإسلامية التي هي نقطة استناد لعوام المؤمنين، وتسعى لمعالجة الجروح الغائرة لتلك القلوب والأفكار والضمائر بأدوية القرآن والإيمان.

إذن فلا شك من وجود أجهزة وحجج في درجة حق اليقين، وفي قوة الجبال الراسيات، ووجود ما لا حد له من علاج وأدوية مجرَّبة يحمل كل واحد منها قوة وخاصية ألف دواء لمعالجة مثل هذه الطعنات والجروح الكلية الغائرة، فرسائل النور التي ظهرت من الإعجاز المعنوي للقرآن المعجز البيان تؤدي تلك الوظيفة في هذا الزمان، فضلا عن أنها مدار للترقيات والانكشافات في ما لا حد لها من مراتب الإيمان ” .

فالإمام بديع الزمان الذي عبر عن قوة هذا التفسير القرآني بقوله: "إن رسائل النور لا تنطفئ ولا يمكن إطفاؤها، ورسائل النور نور يسطع كلما حاولوا إطفاءها، وإن رسائل النور كشَّاف يكشف عن معمى طلسم الكون ويحلها ” قد نال التوفيق على الرغم من الاستبداد والظلم، وعلى الرغم من أنه سُمِّم مرات عديدة، وألقي به في غياهب السجون والزنزانات وقضى عمره في المنافي، ولكن دوامة الظلم والاستبداد الذي تعرض له لم تستطع أن تمنع من أن يكون سببًا لشفاء صدور أهل الإيمان ودواء همومهم، بل لم يعبأ بالظلم الذي تعرض له، وتحدى قوى الظلم إلى آخر نَفَس من أنفاسه، فقد أجرى معه الصحفي المعروف أشرف أديب لقاء صحفيا عام 1952، وكان عمره حينئذ 76 عامًا إلا أن هذا العمر لم يمنعه من أن يقول فيه : "ليتني أتعرض لألف ضِعف من هذه المشقة والظلم ولكن يبقى مستقبل قلعة الإيمان في أمن وسلام ” فأثبت أن العاصفة التي بدأت في روحه منذ نصف قرن ما زالت مستمرة.

وكان ينشد ويترنم بالحياة الروحية للمجتمع وكيانه المعنوي وضميره وإيمانه، ولم يَسْعَ إلا لتقوية أسس التوحيد والإيمان التي أسسها القرآن؛ لأن العماد الأساسي للمجتمع الإسلامي هو هذه الأسس، فمتى ما تزعزعت انهار المجتمع.

المقدمة
الإمام بديع الزمان سعيد النورسي
مدرسه الزهراء
سنوات الحرب
سعيد الجديد
سياحة الوداع
تأليف رسائل النور
وظيفته التجديدية
رسائل النور تفسير معنوي للقرآن
منهج رسائل النور
انتشار دعوة رسائل النور
أحمد خسرو آلتين باشاق
الأستاذ الثاني
خدمة الحفاظ على الكتابة بالحروف القرآنية
المصحف التوافقي
محاربة البدع
دعوة رسائل النور بعد رحيل الإمام
مقدمة الترجمة