سعيد الجديد

إن الإمام بديع الزمان قد ألّف في "بارلا ” -حيث مكث فيها ثماني سنوات- ثلاثة أرباع كليات "رسائل النور ” -وهي "الكلمات ” و"المكتوبات ” و"اللمعات ” - التي ترتكز في أغلبها على المسائل الإيمانية، وانتهج أسلوبًا فريدًا غير مألوف لنشر مؤلفاته في أنحاء الأناضول؛ حيث كان يشترط على من يريد أن يكون تلميذًا له أن يستنسخ رسائل النور بالحروف القرآنية وأن يجعل غيره يستنسخها أيضًا ، ومجموعة صغيرة من طلابه من ولاية "إسبارطة ” و"بارلا ” كانوا يزيدون عدد نسخ الرسائل عن طريق الاستنساخ، وكانوا يسعون لزيادة عدد المستنسِخين حتى انتشرت رسائل النور بهذه الطريقة سرًّا وفي وقت قصير في كافة أنحاء الأناضول.

إن انتشار رسائل النور وانفتاحها يومًا بعد يوم قد أزعج بعض الناس، فأُخذ الإمام بديع الزمان من "بارلا ” إلى "إسبارطة ” في سنة 1934، واعتُقل بعد سنة مع مائة وعشرين من تلاميذه بتهمة "تأسيس الجمعية السرية ” و"القيام بأعمال ضد النظام ” و"السعي لهدم النظام ” ، فأودِعوا جميعا في سجن "أسكي شهر ” .

ثم سيق هو وتلاميذه إلى المحكمة الجنائية الكبرى لـ"أسكي شهر ” لمحاكمتهم، وعلى الرغم من أنه دحض كل التُّهَم التي وُجِّهت إليه بدفاعه في المحكمة، وعلى الرغم من عدم وجود أي دليل ضده؛ فإن المحكمة قد حَكمت عليه بالسجن أحد عشر شهرًا، وعلى خمسة عشر طالبًا من مائة وعشرين من طلابه بالسجن ستة أشهر، متذرّعة بـ"رسالة الحجاب ” ، وأطلق سراح البقية.

ثم إن الإمام بديع الزمان نُفِيَ إلى ولاية "قسطموني ” بعد أن خرج من سجن "أسكي شهر ” ، وأُجبِر على الإقامة في مخفر الشرطة مدة طويلة، وبعد هذا أُسكِن بيتًا مقابل ذلك المخفر.

وظلّ في "قسطموني ” لمدة ثماني سنوات منفيًّا، والتفَّ حوله طلاب كثيرون كما كان في مدن أخرى، وكانت الأيدي تتلقف الرسائل المؤلَّفة سابقًا من جهة، ومن جهة أخرى كان الإمام يقوم بتأليف رسائل جديدة. إن الرسائل والخطابات الجديدة كانت تُبعث إلى "إسبارطة ” أولاً، والتلاميذ كانوا يقومون بتوصيل تلك الرسائل إلى كل مكان حتى إلى القرى، وكان عدد حلقات التلاميذ يزداد يومًا بعد يوم.

إن الأشخاص الذين أطلق عليهم الإمامُ بديع الزمان اسمَ "أعداء الدين المتسترون ” لم يقفوا مكتوفي الأيدي، فداهموا بيته عدة مرات وسمّموه، إلا أنه قد نجا بعون الله من تأثير السمّ، ولم يكونوا يستطيعون منع نشاطات النور.

و في سنة 1943م سيق إلى المحكمة الجنائية الكبرى لولاية "دنيزلي ” مع مائة وستة وعشرين من طلابه، وطلبت المحكمة من العلماء الكبار وأساتذة الجامعة تحقيق الرسائل، وفي النهاية وصل المتخصصون إلى نتيجة هي : " إن الإمام بديع الزمان ليس له غرض سياسي، ولا يقوم بنشاط تصوّفي، وإن رسائل النور كتب علمية وإيمانية وتفسير للقرآن الكريم ” ، وحُكم ببراءته نتيجة تقرير من المتخصصين ودفاعات الإمام في المحكمة عام 1944م.

وفي أثناء بقائه في السجن خلال تسعة أشهر حيل دون مقابلته مع تلاميذه وعُرِّض للمشقات العديدة وسُمِّم. وعلى الرغم من كل ذلك فإنه صبر ونجا بعون الله من تأثير السمّ، ثم إنه بعد أن خرج من السجن أقام في ولاية "دنيزلي ” لمدة شهرين، وانتقل إلى منفى آخر، إلى "أميرداغ ” .

إن انتشار دعوة النور استمرّ في "أميرداغ ” على الرغم من كل المعاناة والمشقات، وكان هناك من يزورونه، وكان تلاميذه يأتون إليه بالرسائل التي استنسخوها باليد، وهو بدوره كان يقوم بمراجعتها وتصحيحها، وكثيرًا ما كان يذهب إلى التلال والحقول ورجال الدولة يراقبونه. وفي الوقت نفسه كان ينتظر أمام بيته أفراد الشرطة دائمًا.

وفي سنة 1948 م قُبض عليه مع خمسة عشر طالبا من طلابه مرة أخرى، وجيء بهم إلى ولاية "آفيون ” ، وكذلك قبض على أربعة وخمسين من طلابه في مدن مختلفة، وجيء بهم إلى هناك، والتهمة لم تتغير وهي: "أنه ضدّ النظام ” و"يؤسس جمعية سياسية سرية ” . واستمرت المحاكمة عشرين شهرًا، ثم حُكم عليهم بالبراءة.

وفي سنة 1950 م بدأت فترة تعدد الأحزاب السياسية في تركيا، وفاز الحزب الديمقراطي في الانتخابات ووصل إلى الحكم، وأصبح هذا التغير الذي حدث في عالم السياسة سببًا للحرية والراحة للإمام بديع الزمان ولطلابه إلى حد ما؛ نقول "إلى حد ما ” لأن المحاكم والمعاناة كانت مستمرة، وظل الإمام بديع الزمان مقيمًا في "أميرداغ ” بعد انتهاء محكمة "آفيون ” بقرار البراءة. وبعد مجيء الحزب الديموقراطي إلى الحكم سافر إلى "أسكي شهر ” ، وبعد مدة انتقل إلى "إسبارطة ” ، وقام برعاية طلابه والاهتمام بزوّاره هناك.

وفي سنة 1952م رُفعت ضده دعوى بسبب طباعة كتابه "مرشد الشباب ” في "إستانبول ” بالحروف الجديدة (أي الحروف اللاتينية)، فجاء إلى "إستانبول ” مرة أخرى من أجل المحاكمة بعد 27 سنة من مغادرته لها، وتوافد طلابه ومعارفه القدماء بازدحام إلى الفندق الذي كان يقيم فيه، واستمرت المحاكمة وهو غير معتقل ثلاثة أشهر، وحكم له بالبراءة مرة أخرى، ورجع إلى "أميرداغ ” بعد المحكمة، ولما كان يتجول وحده في الحدائق والبساتين جاءته الشرطة العسكرية وأخذته إلى المخفر بسبب عدم لبسه القبعة (1953م). وبسبب هذه الحادثة كتب خطابًا وأرسله إلى وزارة العدل وإلى الوزارة الداخلية، ونُشِر هذا الخطاب في جريدة محلية في تلك الولاية من قبل طلابه، ومن ثم رُفعت ضده قضية في ولاية "سامسون ” واستُدعِي إليها، وكان قد أرسل إليهم تقريرًا طبيًّا يبين عدم قدرته على الذهاب إلى المحكمة؛ لأنه كان مريضا وطاعنا في السن؛ حيث كان عمره حينئذ ثمانين سنة، وألحت المحكمة على مجيئه على الرغم من التقرير الطبِّي، ولما جاء إلى "إستانبول ” ليسافر منها إلى "سامسون ” اشتد مرضه، وأرسل إلى "سامسون ” تقرير طبّي آخر يبين عدم طاقته على السفر لا بالبر ولا بالبحر ولا بالجو، وفي النهاية انتهت المحكمة إلى براءته.

وفي ربيع سنة 1953 م مكث ثلاثة أشهر في إستانبول، وهناك شارك في احتفالات أقيمت بمناسبة الذكرى السنوية لفتح "إستانبول ” ، وقابل بطريك "فنر ” ونصحه ببعض النصائح، ثم بعد ذلك انتقل إلى "أميرداغ ” و"أسكي شهر ” ومن هناك إلى "إسبارطة ” ، وذهب مع طلابه إلى "بارلا ” حيث منفاه الأول ومحل تأليف الرسائل.

المقدمة
الإمام بديع الزمان سعيد النورسي
مدرسه الزهراء
سنوات الحرب
سعيد الجديد
سياحة الوداع
تأليف رسائل النور
وظيفته التجديدية
رسائل النور تفسير معنوي للقرآن
منهج رسائل النور
انتشار دعوة رسائل النور
أحمد خسرو آلتين باشاق
الأستاذ الثاني
خدمة الحفاظ على الكتابة بالحروف القرآنية
المصحف التوافقي
محاربة البدع
دعوة رسائل النور بعد رحيل الإمام
مقدمة الترجمة