سنوات الحرب

مع بداية الحرب العالمية الأولى شارك في الحرب قائدًا لكتيبة كوَّنها من طلابه، ودافع عن شرق البلاد ضدّ الروس والأرمن، وفي أثناء الحرب وفي الخندق وتحت مطر من الرصاص ولما كان يحارب مع العدو تحت شرائط قريبة جدًّا إلى الشهادة ألّف كتاب "إشارات الإعجاز ” الذي يُعد من روائع علم التفسير.

وفي أثناء احتلال الروس لمدينة "بتليس ” أُسر مصابًا بالجروح، ثم سيق إلى "سيبريا ” ، وظل في الأسر هناك لمدة سنتين ونصف.

وفي أثناء أسره لم يقعد دون حراك، بل سعى لتوعية الأسرى بنصائحه الدينية، وفي النهاية تمكّن من الفرار، وعاد إلى إستانبول عن طريق "بيترس بورج ” و"وارسوا ” و"فيينا ” بتاريخ 25 حزيران 1918، وزاره كثيرون من الشعب والجيش وأركان الدولة ولم يتركوه وحيدًا.

وبعد عودته فوجئ الإمام بديع الزمان بأن عُيِّن عضوًا في "دار الحكمة الإسلامية ” التي هي بمنزلة معهد العلوم الإسلامية والتي تجمع تحت سقفها كبار العلماء في الدولة العثمانية.

خرجت الدولة العثمانية من الحرب العالمية الأولى مهزومة، ولم يمض وقت طويل حتى بدأ الإنجليز والفرنسيون والإيطاليون واليونان في احتلال أراضي الدولة العثمانية، وإزاء هذا بدأت النشاطات لحرب التحرير في كل أنحاء تركيا، وقام الإمام بديع الزمان بأعمال ضدّ الإنجليز في السنوات التي احتل فيها الإنجليز العاصمة "إستانبول ” ، وشجّع ودعم حركة "القوى المليّة ” القائمة ضد المحتلين في جميع انحاء تركيا.

وقد استحسنت حكومة "أنقرة ” نشاطات الإمام بديع الزمان ودعته إلى "أنقرة ” ، وبناءً على هذه الدعوة أتى الإمام بديع الزمان إلى "أنقرة ” ، فاستُقبِل استقبالاً حارًّا فيها، وأقيم له حفل استقبال رسمي في مجلس الشعب، إلا أن الإمام بديع الزمان لم يجد بغيته في "أنقرة ” حيث رأى أن كثيرًا من النواب لا يهتمون بالدين ولا يُصلُّون، فبيّن لهم أهميّة الصلاة ببيان كتبه في عشر فقرات، فكثُر عدد المصلين بعد هذا البيان، ولم تُعجب حركتُه المؤثرة تلك أركانَ الحكومة ووقع الخلاف بينه وبين حكومة "أنقرة ” .

وقد انتصر الجيش التركي في حرب التحرير، إلا أن الإمام بديع الزمان كان حزينا مهموما؛ إذ إنه رأى عن كثب انتشارَ العقلية الأوربية والطرز الأوربي في الحياة شيئًا فشيئًا، وضعفَ الاعتقاد والتمسّكِ بالإسلام، فقرّر العودة إلى "وان ” حيث لم يعجبه وضع "أنقرة ” ، ولم يتراجع عن قراره على الرغم من العروض المغرية الكثيرة التي عرضت عليه، فسافر إلى "وان ” .

بدأ يعيش حياة العزلة في جبل "أرك ” في "وان ” حيث كان يقوم بإلقاء المحاضرات الدينية والنصائح والدروس، وفي الوقت نفسه كان يقوم بمراجعة النفس ومحاسبتها.

وكان يدفعه تأثير الشيخوخة من جهة، وعدم حصوله على نتائج في أي من نشاطاته السياسية من جهة أخرى إلى حياة العزلة.

ولم يمض وقت طويل حتى اندلعت ثورة "الشيخ سعيد ” وأُخمدت هذه الثورة بعد إراقة الدماء الكثيرة، وعلى الرغم من أن الإمام بديع الزمان لم تكن له علاقة بهذه الثورة فإنه نفي إلى "إستانبول ” في سنة 1925 م، ومن إستانبول إلى "بُورْدُور ” ثم "إسبارطة ” ، ثم نُقل إلى "بارلا ” ، وهي قرية صغيرة تابعة لولاية "إسبارطة ” .

إن الإمام بديع الزمان يقسّم حياته إلى قسمين؛ "سعيد القديم ” و"سعيد الجديد ” . فمن أول حياته إلى الحرب العالمية الأولى فترة "سعيد القديم ” ، وأما الفترة من سنوات الأسر إلى حياته في"وان ” فهي مرحلة المحاولة للخلاص من سعيد القديم والسعي ليصبح سعيدًا جديدًا؛ وأما الفترة التي تبدأ مع بداية تأليف الرسائل في "بارلا ” فهي فترة "سعيد الجديد ” .

المقدمة
الإمام بديع الزمان سعيد النورسي
مدرسه الزهراء
سنوات الحرب
سعيد الجديد
سياحة الوداع
تأليف رسائل النور
وظيفته التجديدية
رسائل النور تفسير معنوي للقرآن
منهج رسائل النور
انتشار دعوة رسائل النور
أحمد خسرو آلتين باشاق
الأستاذ الثاني
خدمة الحفاظ على الكتابة بالحروف القرآنية
المصحف التوافقي
محاربة البدع
دعوة رسائل النور بعد رحيل الإمام
مقدمة الترجمة