انتشار دعوة رسائل النور

الإمام بديع الزمان في بداية أعوام سقوط الخلافة العثمانية العظمى كان يقاوم مع تلاميذه كل التيارات المعادية للإسلام بمجاهداته وبدعوته التي تحتضن العالم الإسلامي جميعًا في تلك الأوقات الصعبة القاسية التي كان يتجنب فيه كثير من الناس النضال جهارًا وكان يتسبب حتى أبسطُ تحرك لحساب الإسلام في دفع أثمان باهظة، وبينما وقع الكثيرون في اليأس كان هو وتلاميذه ينظرون إلى المستقبل بأمل وعزم وثبات، ويجاهدون ويناضلون بكل قوتهم وجهودهم من أجل إنقاذ الجيل الجديد من فتن آخر الزمان التي هم فيها.

وكان طلاب النور في سبيل ذلك يتهمون من أجل الحفاظ على الحقائق الإيمانية والشعائر الإسلامية والإعلان عنهما بتهم تأسيس جمعية غير قانونية والمطالبة بحكم الشريعة وممارسة نشاطات تتعلق بتغيير المبادئ الأساسية للدولة بغية إقامة الخلافة الإسلامية، ويساقون من محكمة إلى محكمة ويزج بهم في السجون فيبقون فيها سنوات عديدة ثم يخرجون. فهم من جراء دعوتهم هذه كانوا يَدفعون ألوانًا من الأثمان الباهظة بحياة السجون والمنفى التي يواجهونها وبشلل حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، مع كل هذا كانوا يثبتون على دعوتهم بما يأخذون من فيض من رسائل النور.

ويصور الإمام الكبير بطل المعاناة هذه اللوحة في سيرته الذاتية بما يلي:

إنني لا أعرف طوال عمري البالغ نيفًا وثمانين سنة عن متع الدنيا شيئًا. قضيت كل حياتي في ميادين الحرب، وزنزانات الأسر، أو سجون البلاد ومحاكمها، وما من لون من ألوان المعاناة والأذى إلا وتجرعته، عوملت في المحاكم العسكرية وكأنني مجرم، ونفيت في طول البلاد وعرضها كالمشردين، ومُنعتُ من مخالطة الناس شهورًا في زنزانات البلاد، وسُمِّمتُ مرارًا، وتعرضت لإهانات متـنوعة.

فالأستاذ بديع الزمان كان يرسل الرسائل التي ألفها تحت هذه الظروف القاسية في أجزاء متفرقة إلى الأستاذ أحمد خُسرَوْ أفندي الذي هو في مركز الدعوة النورية إسبارطة.

والأستاذ أحمد خسرو آلتين باشاق الذي شارك الإمام في حياته المليئة بالمعاناة بنفس الغايات والمعاناة بجواره دومًا، حكم عليه بالإعدام مع إمامه وطلاب النور الصادقين في محاكم مدن أسكي شهر ودنيزلي وأفيون، وبعد وفاة الإمام أصبح كثير من السجون كذلك بعد جلسات محاكمة يُبتّ الحكم فيها بعقوبات شديدة محل معاناته الجديدة، وفي سجن دنيزلي سمم مع الإمام وطلاب النور، فاجتازوا هذه المحنة بحفظ إلهي إلا أن الحافظ علي وقع شهيدًا من بينهم في هذه الحادثة، رحمة الله عليه.

كانت رسائل النور تستنسخ نسخ كثيرة باليد من قبل طلاب النور من ناحية وبآلة النسخ من ناحية أخرى تحت إشراف أحمد خُسرَوْ وترسل إلى طول البلاد وعرضها وإلى كل ناحية من أنحائها، وجميع خطابات طلاب النور في جميع أنحاء البلاد كانت تصل إلى الإمام بواسطته هو، وكان يرد على هذه الخطابات بنفسه في كثير من المرات بناء على رغبة الإمام.

والأستاذ أحمد خُسْرَوْ الذي لقَّبه الإمام –لهذا السبب- بلقب "مصنع الوَرْد ” يتحدث الإمام بديع الزمان عن وظيفته من حيث إدارته دعوة النور وتنسيقها فيقول:

" إننا نبارك خسرو في التصحيح و التوزيع و التدبير و المخابرة و نشر الأنوار و إيصالها إلى الآخرين وندعو له بالتوفيق، ونحن نرى مع هذه الوظائف المهمة كتابات قلمه البديع اللطيف في كثير من النسخ التي كتبها ” .

وإن فكر خسروْ العالي جدًّا وذا الكرامة والصواب والنفع دائمًا، ثمين وذو قيمة في خدمة القرآن دائمًا.

لقد أعطى الإمام بديع الزمان الأستاذَ أحمد خسرو صلاحية التدخل في رسائل النور وهي صلاحية لم يعطها لأي تلميذ آخر له قائلا: " يمكن أن يعدل خسرو ويبدل ويصحح الجزء الذي يراه غير مناسب ” .

والإمام بديع الزمان عندما سمِّمَ في محافظة أميرطاغ (همش لها) وهو منفي فيها، بيّن موقع الأستاذ أحمد خسرو الحيوي في خدمة نشر رسائل النور حين أراد أن يموت بدلا من الإمام بهذا الجواب الذي رد عليه، وأشار إشارة متوجهة إلى المستقبل:

إن بطل رسائل النور خسرو يريد أن يموت ويمرض بدلا مني بإخلاص وصدق من صميم قلبه، فأنا أقول: "الآن وقت النشر وليس وقت التأليف، وإن حياتك مفيدة ونافعة في الدعوة النورية أكثر من حياتي المليئة بالعذاب والمشقة بقدر كثرة كتابتك ونفعها لنشر رسائل النور أكثر من كتابتي، فلو كان باستطاعتي أن أعطيك من حياتي وصحتي لأعطيتك بكل السرور والرضا ” .

المقدمة
الإمام بديع الزمان سعيد النورسي
مدرسه الزهراء
سنوات الحرب
سعيد الجديد
سياحة الوداع
تأليف رسائل النور
وظيفته التجديدية
رسائل النور تفسير معنوي للقرآن
منهج رسائل النور
انتشار دعوة رسائل النور
أحمد خسرو آلتين باشاق
الأستاذ الثاني
خدمة الحفاظ على الكتابة بالحروف القرآنية
المصحف التوافقي
محاربة البدع
دعوة رسائل النور بعد رحيل الإمام
مقدمة الترجمة